من بابٍ مواربٍ يُفتح على بلكونةٍ واسعة، لحقتُ بها وهي تنشر الفلفل الأحمر على طرف سورها، تعمل جدتي بحذر تام، تسير بتوازنٍ شديد دون ميلان هنا أو هناك، تعود ثانيةً لتحمل بيدها صينيّة دائرية من الألمنيوم بعمقٍ متوسّط، يغمرها سائل برتقالي كثيف ودبقٌ لا أعلم مكوناته لكنني راقبت بجدية مراحل تحضيره، وها أنا ذا أمام مهرجان تدرّج الألوان ألمح طريقةً جديدة لترتيبه، طريقة تتحلى بها “ستّات البيوت المعتّقين”، المتمرّسين في استدامة الأطعمة لفترة قد تتجاوز العام أحيانًا دون أن يفسد شيءٌ منها.

 

بدأ المشهد على عين شمس يوليو الحارقة، وأمام عين طفلةٍ مراقبة فضولية تبحث وراء جدتها، تتفحّص الأيدي المنهمكة بما يشغلها، وتجد وقتًا لا نتمتّع بالتقاطه في زماننا بحكم فقر الخبرة وتعدد المصادر وكثرتها، لا أعلم لم ارتدت قفّازيها أمام الكائن الأحمر ونزعته أمام لمعة البرتقالي، وسط تحذيراتٍ طويلة بأن لا نقترب ناحية السور، لا خوفًا من الوقوع هذه المرة بل خوفًا من إفساد المزيج المواجه للشمس  على سطح الشرفة.

 

خرجت بقصد التأرجح وأنا أنوي النية الاستكشافية، قادتني كل التحذيرات المكررة، لماذا لا أتبنّى مهمّة الطّير المشاغب هذه المرة؟ دون فزاعةٍ تربك اقتحامه لخليطها الغريب هذا، اقتربتُ بحذرٍ لأتذوّق الألوان الفرائحية المنشورة، دسست أصبعي في الصينية الأولى بطعمها الحلو الغريب، حفلة سُكّرٍ معتبرة بين أجزائها، القليل من حبات المشمش المهروس مع سائلٍ عسلي الطعم بلونٍ مختلف، يشبه إلى حد كبير أطعم حلوى مُدّت على سفرة الإفطار برفقة الزبدة أو القشطة ووزّعتها عائلتي بدفءٍ على الأرغفة في أحد صباحات صيفيّتنا، دفعني الحلو الذي تذوقته للتو بلهفةٍ شديدةٍ إلى الآخر، ماذا لو التقطت قطعةً كبيرةً هذه المرة، شممت رائحة غريبة، ما المانع إذًا؟ فعلى أيدِ الجدّات تُصنع المعجزات والكثير من المفرّحات، وبسرعة خاطفةٍ وضعت بعضًا منها في فمي، فاشتعل العالم داخلي في لحظة واحدة، فارقة، فارقة جدًا، أصابع يدي محترقة، يُكوى لساني بنارٍ لا أعرفها، لم أفهم منطق النار التي شعرتها، عضضت الجمر من مزيجٍ أحمر تعلوه ثمار حمراء مغرية، وتوهّج قلبي بحرقةٍ أولى، بدرسٍ أول قطفته بجانب أرجوحتي، المقصد الظاهر الذي خرجت لأجله، لنيّةٍ مجهولة أحرقتني بعد حلوٍ استمتعت به وتغزلت.

 

نقطة سوداء في تاريخي الأبيض عاشت بداخلي عمرًا، فمذ تناولت قطع الفلفل اللاذع ودمعت العين وحُرقت اليد، لم أقترب إلى أي لقمةٍ زائدة عن حاجة الآخرين ولا حاجتي ولا سُفَر حياتهم المنشورة والممتدة هنا وهناك، منذها وأنا أحمي عيني من مدّ النظر إلى أرزاقهم المقدّرة، أو المصنوعة من أجل نجاحاتهم، لا أضع صحنًا واحدًا يخصني على طاولة أحد دون استئذان، لا أقتحم القلوب التي فُتحت لي بأوسع أبوابها إلا بعد تفقُّدها مرارًا وتكرارًا، تعلمتُ درسًا حارًا على ضرسٍ طيّبٍ اعتاد أن يأكل حلوى أطباعه وأفعاله ومرحى أثره دون أن يوزّع ألمه على أحد، فعندما يشتد ألمك وتتمرّغ في حرقته تتعلم كيف تكون آمنًا، في اللحظة التي لا يؤتمن فيها أحد حتى ذلك القادر على إنقاذك، أصبحتُ قادرة بقدرات خارقة بإمكانها أن تلمح قطع الفلفل المؤلم بين أصابع الناس وفي قلوبهم وإن تظاهروا بالقوة كعادتهم، وها أنا أرى أحدهم الآن يحمل قطعة فلفل لاذعةٍ في قلبه، يتظاهر بالقوة كعادته،

لطالما قارب على الهزيمة، واقترب من البكاء، ثم ابتسم فجأة، فجأة….

ابتسم كما يفعل دائمًا،

قد لا يترك الألم أثره على شفاهنا المبتسمة، ولا تدركه كلماتنا ولا تصفه، لكنه يظهر جليًا في القلب على هيئاتٍ مختلفة..

 قد رأيت ناره والله! رغم أنها لم تمسّ ظاهره الثابت، لكنها بقيت تشتعل في عينيه.

اقرأ المزيد

كيف تستعمل جدتي الأساطير؟

تستخدم الأساطير على مر العصور لنقل القيم والمعتقدات لدى ثقافة معينة، فهي متعة كبيرة في أي اجتماع، ومحل نقاش دائم، ولا ينقطع...

اقرأ المزيد

ويــــن أحــــب اللــــيلة ويــــن؟

نعرف المربعانية بمجرد أن يعلو صوت أبو نورة ليلاً من إحدى السيارات الواقفة عند اشارة الدرعية الأولى «كفها فلة جديلة من حروف… قصة الحناء طويلة في الكفوف» إذاً هذا هو إعلان الشتاء ونشيده الرسمي، نتمايل...

اقرأ المزيد

عن خالي.. جارالله الحميد، عن عشبة برية

لا يمكن لهذه الكتابة إلا أن تكون نوعاً من المزج بين الذاتي والموضوعي، وربما الأول أكثر من الأخير، إذ بحكم قرابة جارالله لي، والذي كان خالي شقيق والدتي رحمهما الله جميعا، فستختلط روايتي لأحداث بعضها...

اقرأ المزيد