عصَرَ طفل، في العاشرة تقريبًا، فجأة أصابع قدميه بيديه، فيما جلس مع والده المنكفئ على مركاه، أمام جريدة فاتته صباح ذاك اليوم، يزدري الأب بخفة توتر ابنه، ويستغل غياب صوت المعلق ليطلق بفمه مازحاً عبارات الترويع المرتجل محاولاً تقليد صوت المعلق محمد رمضان، فيما يعيش الابن لحظاته معلقاً بقلبه وحواسه إلى جهاز راديو من نوع انترناشيونال، وُضع قريباً من نافذة الغرفة التي تطل على بقية المزرعة التي يحتل البيت جزءها الطرفي، لقد اكتشفت العائلة عصر اليوم أن التلفزيون الوحيد لم يعد يعمل، ولم يكن غائباً تلك الأيام أن الراديو لا زال وسيلة بديلة متاحة لمتابعة مباراة لا تحتمل أخبارها التأجيل، كنهائي النصر والاتحاد الذي يقام تلك الليلة، كان الوقت مساء، ومع بداية ضربات الجزاء الترجيحية التي انتهى إليها نهائي كأس ولي العهد بين النصر والاتحاد، عرف الطفل وهو في أقسى حواف التوتر، أنه سيتذكر هذا المساء للأبد.


قد نكون في أوائل التسعينات، مباريات الراديو التي تذيعها الإذاعة السعودية أضحت في أيامها الأخيرة. ومعلقون قلائل تبقوا من الرعيل المخضرم الذي كان يجيد، كما أتذكر، رواية قصةٍ طوال تسعين دقيقة لا تعتمد على البث المرئي للحدث، بل على خيال محض وإبداع لغوي وبعض مهارات الارتجال المسرحي، تستهدف نقل شيء من أجواء مباراة يتعذر عيشها إلا بتلك الأدوات. لقد وُصف هدف مارادونا في نهائي كأس العالم ١٩٨٦ بالقفزة السماوية، وَوَصف معلقٌ هدف ماجد عبد الله في نهائي آسيا ١٩٨٤م بـ«المسيرة الشجاعة على طول الملعب»، فيما اعتذر معلق إعجاباً أمام براعة يوسف الثنيان قائلاً: «لقد خدعني وخدع السادة المستمعين». لا أزال أتذكر مباراة أو اثنتين وجدت نفسي مسمرًا لسماعة الراديو متابعاً لأحداثها، فيها يُقسّم الملعب إلى ثمان مربعات وهمية، من الضروري أن يخبرك المعلق في كل مباراة، مثلاً، أن الهلال يلعب في نصف الملعب الشمالي، في مربعات: ١ و٢ و٣ و٤، فيما يلعب الشباب في مربعات ٥ و٦ و٧ و٨ من النصف الجنوبي. وإذا عرفت أن فهد المهلل في تلك المباراة قد انطلق من مربع ٦ وتجاوز مدافعين اثنين قبل أن يسدد تجاه المرمى في مربع ٢ ويسجل هدفاً، فبقليل من الخيال ستنجح في تصور هدف لا يتكرر.

ابتُكرت هذه الطريقة، المربعات الوهمية الثمان، في العام ١٩٢٧م، على يد صحفي تلفزيوني بريطاني كان يعمل في إذاعة BBC البريطانية، رأى أن الحماس الذي ينتقل إلى مستمعي الراديو عند إذاعة أخبار المباريات ليس كافياً، فرسم ملعباً لمباراة الأرسنال وشيفيلد يونايتد، جعل فيه المرمى الشمالي على يمين الرسم فيما المرمى الجنوبي على يساره، ثم رسم شبكة من ثمان مربعات ورقّمها ابتداء من أسفل اليمين إلى الأعلى: ١ و٢، ثم يعود من الأسفل مرة أخرى إلى الأعلى: ٣ و٤، وهكذا حتى وصل إلى المربع الثامن الأخير في أعلى يسار الرسم. فتح هذا المخطط البسيط الباب لطريقة جديدة أتاحت لمقاهٍ ومطاعم ومنازل إصاخة السمع إلى أجهزة الراديو طوال تسعين دقيقة في كل بدايةٍ لمباراة كرة قدم، لبس الحديث العام الفوضوي لباس مقدم إذاعي وقبعة صحفي، وأخذ وقتهُ المستحق بين نشرات الأخبار وتمثيليات الإذاعة، وتحولت: “فاز منتخبنا الوطني الليلة” إلى سيناريو مسرحي طويل يلهب الخيال. لقد انطلق ماردونا في نهائي المكسيك أمام إنجلترا، وانطلق معه معلق وكاتب رياضي، لا يقل روعة، هو الإنجليزي برايُن بتلر، في خطبة أصبحت، في عالم التعليق الرياضي، تضاهي أعظم ارتجالات المسرح الخالدة:

– “Maradona, turns like a little eel, little squat man… comes inside Butcher and leaves him for dead, outside Fenwick and leaves him for dead and puts the ball away… that is why Maradona is the greatest player in the world”.

ولا نعرف، دوناً عما قلناه، بأي طريقة تحقق الخلود للتعليق الرياضي، لكن الطفل في قصتنا لا يتذكر هدفاً في مباراة، أو لاعباً قديماً من أبطاله الأزليين، إلا ويرن في مخيلته وصفاً شاعرياً أو حماسياً عن النصر والبطولة والشجاعة، بالطريقة ذاتها التي يسترجع بها والدهُ، من صفحات جريدته، عنواناً أو سطراً في كل مرة يحتفي بفوز مبجل، أو يتحسر على خسارة مذلة. إن خطبة براين بتلر الآنفة هي خطبة ونستون تشرشل، مصغرة ربما، في ذاكرة التاريخ الرياضي، هل شق هذا المعلق الطريق إلى إبداع أدبي رياضي جديد، وجد طريقهُ للمخيلة والتاريخ الثقافيين؟ أم كانت الكتابة أساسًا هي الجسر الذي نقل إبداع كل تجربة إنسانية نحو خلود الذاكرة، يخبرنا تاريخ الصحافة الرياضية حكاية يمكن أن تضيء لنا مكمن الإجابة على هذا السؤال، فبعد كل مباراة حول العالم، يعكف كاتب لكل صفحة رياضية على كتابة تقرير صحفي، قصصي غالباً، يتناول سيناريو المباراة وأهم أحداثها، أصبح لهذا التقرير دورة حياته الخاصة التي أنتجت ملامحاً لجنس أدبي جديد له تقاليده ومغامروه، وصعاليكه أيضاً، يصف الروائي والكاتب الصحفي الإنجليزي برايان قلانـﭭـيل، أحد أساطير هذا الحقل، الفترة التي بدأت فيها الكتابة الحية لسيناريوهات المباريات والأحداث الرياضية أواخر القرن التاسع عشر، في حوار له يعود للعام 2015م، قائلاً: “الكثير من كتاب كرة القدم الرائعين، في زمن سيء لكرة القدم”.

تعود آخر قصص برايان قلانـﭭـيل الصحفية إلى أشهر معدودة مضت (وقت كتابة هذه السطور)، ورغم مسيرته الطويلة (جداً) في الكتابة الروائية والقصصية، وبعض التجارب في المسرح ودراما الراديو، ورغم ثمانية عشر دورة كأس عالم قام بتغطيتها كتابة وحضوراً، إلا أنه لا يخفي حنيناً خاصاً لأيامه الذهبية عندما توجت إنجلترا بكأس عالم عام 1966، حيث “تسكع اللاعبون والصحفيون معاً طوال الوقت، وسافروا جنباً إلى جنب إلى جنب في ذات المقصورة”، محاولاً استعادة أيام كرة القدم المجيدة تلك، في أيامنا التي أوجدت فيها عائدات اللاعبين الضخمة جيشًا صغيرًا من المنسقين ومدراء الأعمال يفصل بينه وبين الجلوس مع لاعب واحد، بدلاً من ذلك تقوده الخطى دائماً للمؤتمرات الصحفية للمدربين، حيث يتسنى له عن كثب لمس الاحتقان الطازج للقلق والمنافسة، ولكي يتأمل، في عامه الثاني والتسعين، فيما يمكن للكتابة إضافته، أو إصلاحه، في الميدان التنافسي الحارق لكرة القدم. ليعود في كل مرة لمنزله مملياً لحفيده توم، مقالته الجديدة التي سيكتبها ويرسلها الحفيد إليكترونياً لصحيفة الجارديان غالباً. أو لموقع “وورلد سبورت”، وستتضمن نعياً لأحد عظماء كأس العالم السابقين، أو إضاءات على الصفقات الجديدة لمانشستر يونايتد.


من الممكن لخريف قلانـﭭـيل أن يكون أكثر كآبة إذا فكرنا في أمثال له بالمئات ربما، عبروا بالكتابة والخيال الضفة الهائلة التي لم يملأها البث التلفزيوني بين الكرة ومشجعيها، في تلك الأوقات الرمادية التي كان معلق المباراة، والصحفي الذي يتقدم الحضور ضماناً للكثيرين ممن لا يصلهم البث، أو يصلهم بجودة سيئة، أو يريدون ضماناً أكيداً على دخول فريقهم العزيز، أو لاعبهم المفضل، إلى صفحات التاريخ بالطريقة التي يرونها مناسبة، هؤلاء المئات والآلاف ودعوا أيامهم الذهبية، والصفحات الرياضية تتساقط أمام رياح التغيير الرقمية العاتية، قبل أن تأتي التطبيقات الحديثة بأدوات التحليل الرقمي، ويحل الحديث عن نسب الاستحواذ على الكرة محل الحديث عن مفردات الفن والحرب لوصف المباريات، يكتب موقع “Opta” المختص بالتحليل الرياضي الرقمي أحد منشوراته بهذا الشكل: “شارك براهيم دياز في 6 أهداف خلال 8 مباريات بدأ فيهم بشكل أساسي مع ريال مدريد في جميع المسابقات (أربعة أهداف، تمريرتان حاسمتان) بعد أن سجل تمريرة حاسمة واحدة فقط في أول ثلاث مباريات. تألُّق)، وبقراءة واحدة لمنشور كهذا، ليس من الصعب تخيل أن أيام الروائيين العظام الأعزاء، الذين يأخذون مقاعدهم وتركيزهم في ميادين الكرة للكتابة، قد ولت إلى غير رجعة.

ولو أن الطفل في بداية قصتنا عمل صحفياً في مطلع سنوات الألفية، في أي صحيفة سعودية، كان ليشعر بالحسد عندما يتسلل الكسل والهدوء إلى كل أقسام الجريدة ابتداء من الحادية عشرة مساءً، تُسلم كل صفحات الجريدة إلى المطبعة، عدا صفحات الرياضة التي تواكب حينها الموعد المعتاد لنهاية مباريات الدوري، سيسمع طقطقة لوحات المفاتيح التي تدبج العناوين وسيتطفل على التحليل الرئيس الذي سيكتبه “الأستاذ” الأكثر خبرة تبعًا لأهمية المباراة، أضواء مكاتب القسم الرياضي الساطعة وحماسُهُ الناري، وسط هدوء وظلام الأقسام الأخرى ستذكره مجددًا بجريدة والده في مباراة المزرعة القديمة تلك، وسيتذكر أن أبناء العمومة الأشقياء الذين حضروا فيما بعد قد افترشوا صفحة من جريدة الرياض واستخدموها “سفرة” لبيالات الشاي وصحون المكسرات، وأن والده أزاح إبريق الشاي قليلاً ليقرأ العنوان العريض على كامل الصفحة: “الاتحاد يعزف على جرح الهلال.. لحن الانتصار مرتين”، وراح يطقطق قشور الفستق ويبدأ فعلاً بقراءة المقال الذي يشير إلى انتصار الاتحاد بهدفين أمام الهلال الذي سبق أن خسر مباراة سابقة، لكنه لم يكن سيفكر في المفارقة الشعرية، إذ أن كل مباراة كانت تحمل معها مجازها وخيالاتها وعناوينها الحماسية، وأستاذها الذي سيتفرغ عند الساعة الحادية عشر مساء لصياغة بيانه الشعري والكروي لجمهوره الخاص: أبناء العمومة الأشقياء، والأب المتكئ، والطفل الذي لم يرض بالبث التلفزيوني.
كانت أعواماً مجيدة للكتابة.

مراجع:

  • صورة الغلاف: المعلق السعودي محمد رمضان.

VOX IN THE BOX: BRIAN GLANVILLE

The Joy of Six: great moments in sport commentary

اقرأ المزيد

لماذا أسافر لإيطاليا سنوياً؟

عدت من صقلية بعد قضاء إجازة قصيرة، عدت محملة بزيت الزيتون، والزيتون الأخضر، ومعجون الطماطم الصقلي، وجبنة الموزوريلا، والمعكرونة المصنوعة منزلياً، نثرتها على طاولة المطبخ بفرح طفولي، ستفوح الدار في الأيام القادمة برائحة الطماطم والريحان...

اقرأ المزيد

التفاصيل التي تصنعنا

متجر الأشمغة يفيض بالأمواج الحمراء التي تتسرب إلى طرقات السوق، لم نعرف بائع أشمغة واحد ينادي ترغيباً في بضاعته، إذ أن متجره يذكرنا بآباء على مد النظر يصطفون لصلاة العيد أو يتموضعون ...

اقرأ المزيد

أن تكون صحفيًـــا للسينمـــا

كانت أغرب سيرة ذاتية كتبتها في حياتي، كتبت برنامجي اليومي، وقراءاتي اليومية، وما أتابعه ومالا أتابعه، والكتّاب الذين أقرأ لهم والذين أخطط للقراءة لهم، حتى أنني أشرت للحفلات الغنائية التي أحضرها، وأرفقت بعض التدوينات البسيطة...

اقرأ المزيد