نحن مع أحذيتنا نملك ذاكرة مشتركة
لا نملكها مع سواها، تسكن معنا نفس الأماكن، تقطع ذات الدروب، تحمل الأسى قبل البهجة وتظل صامتة في كل هذا.

– منيرة السميّح – محررة وجهات 

لا يعدو الحذاء لأحدهم مداساً يفصله عن الأرض ويحمي قدمه وعليه يستبدل واحداً بآخر دون أن يطرف له جفن. يدسه في قدمه عند الخروج من المنزل وينزعه متى ما دعت الحاجة هكذا ببساطة دون أن يعتبره جزءً منه، من هويته، تاريخه، وقصص حياته. يخطر ببالي هذا كله بينما أقف بباب النادي الرياضي استعد للنزول فأخلع الصندل الصيفي الملون وأدس قدمي في الحذاء البنفسجي المزين بخطوط برتقالية؛ ألوان حتى الآن لم أستطع الجزم بمدى تناسقها، كل مره أنظر إليه أشك في التناسق وأحاول أن أتذكر أي هوى راودني عن هذا الحذاء بألوانه الصارخة!

أتذكر توقيت الشراء جيداً في شتاء 2014 كنت حينها قد انتقلت لمدينة انجليزية جديدة سأقضي فيها الأربع سنوات القادمة من حياتي. كان وزني قد زاد بعد سنة من الملذات غير المقيدة في انجلترا وبعد اشتراك سنة في نادي للطبقة الراقية لم أزره إلا بضع مرات كنتيجة طبيعية لشخص وضع نفسه في غير موضعها. في وسط المدينة الجديدة محل رياضي متخصص في بيع الأجهزة الرياضية وتقديم الاستشارات، محل محترف جداً روّاده من ذوي العضلات المفتولة والقامات الممشوقة. تشعر بمجرد النظر لأحدهم بأن هناك شيء في داخله إما يغلي أو يبكي يحاول تجاوزه ببناء عضلة. شعرت بقزامتي بينهم وبصوتي ضئيل جداً بين الأصوات الإنجليزية الحادة وأنا أقول: «عفواً أبحث عن حذاء رياضي مناسب للجري، والمشي، والمقاومة والحديد والرقص» باختصار حمّال أسيّة ممتاز. أستطيع القول إن هذه الكلمات كانت السيرة الذاتية لحذاء بنفسجي بخطوط برتقالية يقترب حالياً من سن العاشرة. قادتني الموظفة للجدار الذي صفت عليه مجموعة من الأحذية غير المألوفة. وجهت إصبعًا يشبه واحدًا من أصابع الإتهام للحذاء البنفسجي. كان هناك، محمّلًا ببقايا كلّ الأيادي التي جرّبته، تحمله، وتعيده بعد أن تترك فيه شيئاً من دفئها، وتاريخها، ورائحة أقدامهم، وشيء من ثقلها. هذه المرّة أنا دوري لأدس قدمي فيه وأضغط عليه وأجرّبه في في جولة سريعة داخل المحل يتأكد فيها كل منا أنه مناسب للآخر ومستعد لتحمله.

قَبِلنا ببعضنا وخرجنا معاً من معقل المحترفيين، أظنه أدرك فوراً حقيقتي غير المحترفة من طريقتي السريعة جداً في المشي دون اعتبارات حسابية معينة ولا وعي تنفسي مدروس. من لحظتها بدأنا تاريخاً مشتركاً وتوازناً جديداً. نحن مع أحذيتنا نملك ذاكرة مشتركة لا نملكها مع سواها، تسكن معنا نفس الأماكن، تقطع ذات الدروب، تحمل الأسى قبل البهجة وتظل صامتة في كل هذا. حملني الحذاء البنفسجي في أول درس رقص ولم يبالي كوني الوحيدة التي ترقص عكس اتجاه الصف لتجيب في نهاية الحصة: «أتيت لأتخفف من الضغوط» كمن يبرر عدم مجاراته للتيار أردت وقتها أن أكمل «وهذا حذائي أتى بصحبتي». جرينا معاً أول خمسة كيلومترات متصلة ولوحنا معاً لمن تقاطعوا معنا ومن مروا بجانبنا. وشجّعني بأسلوبه، في الخفة المطلقة والتوازن المعقول. لازال بعد تسع سنوات يلتزم بنفس الطريقة الخفة والتوازن، كوصفة غير طبية من أخصائي نفسي أو مرشد حياتي نقطع بها هذه الحياة.

منذ أربع سنوات حين عدنا معاً للرياض شعرت بخجله في النوادي الرياضية حيث يرى نفسه مشع بطريقة غير متناسقة مقارنة بكل الأحذية الوردية والسماوية أو حتى ذات الموقف الواضح جدا بيضاء أو سوداء. شعر بالغربة ونحن نتمشى في الرياض ونرتاد الحصص الرياضة ونركب الدراجة. تقدم في العمر وشاخ من الداخل وبهت البنفسج وانطفى البرتقالي وأصيب بفتق في الفردة اليسار إلا أني لا زلت عاجزة عن استبداله حتى بآخر مماثل له وإن كنت في المرة الوحيدة التي تجرأت فيها وبحثت بصورته في محرك البحث قوقل جائتني النتائج كلها «مستعمل». تذكرت في المرات الكثيرة التي مشيت به على الوحل ببلاهة من ظن الأرض يابسة! والمرات التي صعدت به الجبال قبل أن أنتبه للوصف الحساس له «حذاء جري وتنس -ريفرش فووم». تعوّذت من إبليس، وتراجعت عن التكبر على الحذاء المسكين واكتفيت برتقه عند إسكافي قريب بعد أن أعطيته نبذة عن تعلقنا العاطفي ببعض وتاريخنا معاً وأننا نستعد في السنة القادمة للاحتفال بالذكرى العاشرة، حتّى سمعت منذ سنة بأن هناك علامة تجارية لأحذية رياضية أصبحت موضة، ثم عرفت أنها «نيو بالانس» تذكرت حذائي البنفسجي تطلعت له في مكانه الدائم أسفل مقعد الراكب في السيارة وابتسمت للرتق بداخله.

اقرأ المزيد

من ذاكرة البيوت

لربع ساعة. لم يخطر ببال أحد أن الدرابزين الخارجي جزء من البيت، وأن طقطقته وضربه تؤذي ويشعر بها البيت كما لو كانت طقطقة لإحدى جدرانه الداخلية. لم يكن رأسها الوحيد الذي علق تلك السنة...

اقرأ المزيد

عن خالي.. جارالله الحميد، عن عشبة برية

لا يمكن لهذه الكتابة إلا أن تكون نوعاً من المزج بين الذاتي والموضوعي، وربما الأول أكثر من الأخير، إذ بحكم قرابة جارالله لي، والذي كان خالي شقيق والدتي رحمهما الله جميعا، فستختلط روايتي لأحداث بعضها...

اقرأ المزيد

بودكاست Heavyweight: العلاج النفسي خارج العيادة

من بداهة القول أن نعدّ مفهوم «الفنان» حديثًا في نشأته، لكن الذي يغيب عنّا عادةً، أن هذا المفهوم كان تتويجًا لتكريس صورة الفنان بشخص منعزل في صومعته التأملية متعاليًًا عن «عامة» الناس وحيواتهم اليومية. إن...

اقرأ المزيد